مُصْعَـبْ غَــزَلْ
شعر / نثر / خواطر / تراث
نصوص الأغنية السودانية / (المامبو السوداني)

نصــوص من الأغنيـات السـودانية

الحلقة (2)

[ظاهرة المطرب المتفرّد سيد خليفة]

المطرب سيد خليفة

ذكرت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أن سبب عدم انتشار الأغنية السودانية أو القصيدة الغنائية السودانية في وسطها العربي قد يعزى إلى اختلاف المفردة والأداة والقوالب المستخدمة في التعبير ، والذي يميل دائما للإيحاء والإغراق في الرمز دون التصريح . وهو ما شكل تاليا نوعا من خصوصية السياق اللغوي والموضوع الذي تتناوله الأغنية السودانية بوجه عام ، جعلها عصية على الإستيعاب والفهم والهضم لدى المواطن العربي غير السوداني ، وأقرب منه للمزاج الأفريقي . والدليل على ذلك أن هناك بعض الأغنيات السوانية قد وجدت طريقها بسهولة إلى أذن وقلب المستمع العربي.

وإعترافا بأن هناك القلائل من الأدباء والشعراء والمطربين بل والزعماء السياسيين الذين حققوا نجومية في الداخل السوداني وإستطاعوا أيضا إختراق المجال العربي وتبأوا وسطه مكانة سامقة ؛ فإنه يمكن التوثيق للمطرب الموهوب "سيد خليفة" بأنه كان ولا يزال بعد وفاته على رأس هؤلاء القلائل.
ومن بين تلك الأغاني التي شدا بها سيد خليفة ولاقت رواجا ولا تزال محفورة في الذاكرة العربية وحاضرها نجد على سبيل المثال أغنيات المامبو السوداني ، إزيكم ، عنبية ، أسمر قول ، سامبا ، نانا .... وغيرها من أغنيات يصنفها السوداني في الداخل ضمن الأغنيات الخفيفة.

كلمات أغنية (إزيـكم كيفـنكم)

إزيكم .... كيفنكم
أنا لي زمان ما شفتكم
......................
مشتاق كتير
كتير كتير
لي حيكم
......................
يا ناس حرام
حرام حرام
ردوا علي
أنا ما غريب
أنا منكم
......................
في بعدكم
لقيت عذاب
عذاب عذاب
يا ريت قراب
كنتوا تشوفوا حبكم
......................
يا فرحتي
بعودتي
أجد الهنا
في قربكم
//////////////////

ويلاحظ أن كلمات هذه الأغاني تتميز بالبساطة وشفافية التناول والمعالجة المباشرة للموضوع . كما تتميز أيضا باللحن الخفيف الذي يمزج ما بين السلمين الخماسي والسباعي ، وهو ما يجعلها أقرب ما تكون للألحان النوبية المميزة في جنوب مصر وشمال السودان والتي تخصص في تقديما لاحقا المطرب النوبي المصري الشهير "محمد منير" الذي أضاف إليها مسحات من المزاج المصري السائد وبعض سمات اللهجة "القاهرية" المصرية إن صح التعبير ...
أما سيد خليفة وبوصفه رائدا مقارنة بمحمد منير الأحدث منه والتالي له؛ فإنه يحفظ له أنه قدمها في قالب أكثر نقاء وإلتصاق ببيئتها الأصلية ؛ ثم بعد كل هذا أضاف إليها من أدائه العفوي وشخصيته المرحة الكثير ، وهو الأمر الذي أكسبها القبول لدى قلوب المستمعين في السودان إضافة إلى غير السودانيين في العالم العربي والقارة الأفريقية.
ومما لاشك فيه أن المطرب سيد خليفة لم بتأتى له كل هذا النجاح المميز المرموق خارج السودان من فراغ ، وإنما جاء نتيجة إستعداده الشخصي أولا كإنسان يتقبل التعايش مع الآخر في نفس الوقت الذي يحتفظ فيه بسماته الثقافية المحلية الأساسية ، وبما يؤدي إلى المزج بينهما بذكاء فطري تدعمه موهبة خلاقة.
ولد سيد خليفة في قرية تنام مبكرا على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق على بعد 55 كيلومتر جنوب الخرطوم إسمها "الدبيبة" وتقطنها أغلبية من عرب المحس الذين يرجع نسبهم (وفق توثيق د. عون الشريف قاسم) إلى جدهم عبد المحسن (الخزرجي) الذي قدم مجاهداً من المدينة المنورة بعد فتح عمرو بن العاص لمصر وتغلغل بأسرته إلى منطقة بري شرق الخرطوم حاليا عقب توقيع "إتفاقية البقط" بين مملكة النوبة السودانية و عبد الله إبن أبي السرح حاكم مصر في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وأما "الدبيبة" فهي تصغير للدبة .... و(الدّبـّة) في اللغة العربية الفصحى هي الكثيب من الرمل.
تاريخ ميلاد سيد خليفة هو عام 1931م .... عاش 69 عاما وتوفي في 2 يوليو من عام 2001م بالأردن على إثر إجرائه لعملية في القلب لم تتكلل بالنجاح.
في مرحلة شبابه الباكر عام 1951م أرسله والده لدراسة العلوم الإسلامية بالجامع الأزهر في القاهرة . ولكنه عدل عن الدراسة في الأزهر إلى معهد الموسيقى الذي أتاح له فرصة التعرف على العديد من الموسيقيين والمطربين وأهل الفن والإعلاميين اللذين أعجبوا بصوته وبتفرده كمطرب سوداني ، خلال فترة سياسية تميزت بالتقارب المصري السوداني وتأجج النزعة للوحدة الإندماجية .....
وقد أتيح للمطرب سيد خليفة العديد من المشاركات الغنائية في البرامج الإذاعية المصرية ومن أهمها حفلات"أضواء المدينة" الشهيرة التي كانت تنقل مباشرة على موجات الإذاعة المصرية خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي ، ويستمع إليها كافة العرب بشغف يوم لم يكن آنذاك إذاعات أو تلفزيونات في العالم العربي كما هو عليه الآن . وكان بالإمكان إلتقاط إرسال الإذاعات المصرية من الخليج إلى المحيط ومناطق أخرى شاسعة دونا عن غيرها من إذاعات عربية منافسة تعد على اصابع اليد الواحدة آنذاك.
كذلك فتحت له إذاعة "ركن السودان" التي كانت تبث آنذاك من القاهرة على موجة "صوت العرب" من الثالثة عصرا وحتى الخامسة والنصف ... فتحت له هذه الإذاعة ذراعيها ليقدم من خلالها العديد من أغنياته .
تعرف سيد خليفة خلال تواجده بالقاهرة على الموسيقار محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ . وكون معهم صداقات قوية إستمرت طوال حياتهم . وكانت له من بين هؤلاء علاقة أوثق بأحمد رمزي وعبد الحليم حافظ ربما لتقارب السن بينهم . وقد شارك سيد خليفة مع عبد الحليم حافظ الغناء في العديد من الحفلات العامة في فترة الخمسينيات.... والطريف من ذلك أن عبد الحليم حافظ كان يصر دائما أن يؤدي وصلته الغنائية قبل وصلة سيد خليفة وليس بعده لأن سيد خليفة كان له حضور مسرحي مميز بخفة الظل وتأجيج المرح وسط الجماهير المصرية الذين كانوا يتفاعلون بأدائه فيرددون معه أغانيه ويصعدون على كراسيهم يتراقصون فتنقلب صالة المسرح رأسا على عقب ، وهو الأمر الذي يجعل من سيد خليفة الأصلح لختام الحفـل.
شارك سيد خليفة بالغناء في أكثر من فيلم مصري خلال فترة تواجده بالقاهرة وأشهرها فيلم "تمر حنة" إنتاج عام 1957م من إخراج حسين فوزي و بطولة رشدي اباظة وأحمد رمزي ونعيمة عاكف وكاريمان حيث غنى في هذا الفيلم أغنيته الأشهر لدى العرب والأفارقة "المامبو السوداني" من كلمات الشاعر السوداني "عبد المنعم عبد الحي" وألحان وأداء سيد خليفة والتي تقول كلماتها:


المامبو دا سوداني
المامبو في كياني
في عودي وكماني
ما أجمل ألحاني
مامبوووووْ
/////////////////////
يا حبيبة ما أحلاكي
المامبو في غناكي
اللحنو خلاكي
تتمايلي في خطاكي
على أنغام المامبو
مامبوووووْ
//////////////////////
المدد خطاكي الحال
كالوردة في البستان
أنا قلبي بات حيران
ما كان ياريت ما كان
عصر الهوى قلبو
يوم رقصة المامبو
مامبوووووْ
//////////////////////
يا حبيبة يا عودك
يا وردة في خدودك
أضنيتي مريودك
مين بكرة موعودك؟
لو رقص معاك مامبو
المامبو في كياني
المامبو ده سوداني
مامبوووووْ
//////////////////////
شوفوا جمال الليل
يا ثريا نادي سهير
كل خل معاهو خليل
وأنا وحدي طول الليل
عصر الهوى قلبو
يوم رقصة المامبو
مامبوووووْ
///////////////////////////

ومما لاشك فيه أن المطرب الراحل "سيد خليفة" قد غرس من خلال مزاجه العام وكلمات وألحان ومواضيع أغنياته الأكثر شهرة ؛ إنطباعا نمطيا معينا في ذهن العرب عن طبيعة وتركيبة الشخصية السودانية البسيطة الحبوبة الطيبة المرحة.
لكن الذي قد لا يتبادر في ذهن العرب عن الجانب الآخر من المزاج الفني لسيد خليفة ، هو أن العديد الأغلب من أغانيه الأكثر شهرة داخل السودان إنما كانت قصائد شعرية رمنظومة باللغة العربية الفصحى الرصينة لبعض الشعراء السودانيين من أمثال إدريس جماع و التجاني يوسف بشير. وغنى كذلك للشاعر المصري صلاح عبد الصبور.
وهذه الأغنيات القصائد هي التي خلقت له المكانة السامقة في سماء وتاريخ الأغنية وسط أبناء شعبه في الداخل بنفس القدر الذي خلقته له تلك الأغنيات الخفيفة من أمثال المامبو وأسمر قول وإزيكم كيفنكم خارج السودان.
ومن بين القصائد العصماء للشاعر السوداني إدريس جماع التي تغنى بها سيد خليفة أورد لكم المثال الآتي:

أعَلىَ الجمال تـغارُ مِنـّا ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرة تُنسِى الوقار وتسعد الروح المُـعَـنّى
دنياي أنت وفرحتي ومُنى الفؤاد إذا تمنّى
أنتَ السماءُ بدتْ لـنا وإسْْـتَعْصَمَتْ بالبعدِ عنـّا
هلاَّ رَحِـمْتَ مُـتيّمـاً عصفت به الأشواق وَهْـناً
وهَفـَتْ به الذكرى فطاف مع الدُجَى مَـغْنـاً فمَغْنىَ
هـزّتهُ مـنك مـحاسن غنى بها لـمّـَا تـغنَّى
يا شعلةً طافتْ خواطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
آنـَسْـتُ فيكَ قداسةً ولــمستُ إشراقاً وفناً
ونظـُرتُ فـى عينيكِ آفاقاً وأسـراراً ومعـنى
كلّمْ عهـوداً فى الصـبا وأسألْ عهـوداً كيف كـُنـّا
كـمْ بالّلقَـا سمـحتْ لنا كـمْ بالطهارةِ ظلّلـتنا
ذهـبَ الصِـبـَا بعُهودِهِ ليتَ الطـفـُوْلةَ عـاودتنا


/////////////////////

ومن القصائد الرصينة الأخرى التي تغنى بها سيد خليفة كانت أيقونة الشاعر الراحل التجاني يوسف بشير بعنوان (أنشودة الجن)

قم يا طريرَ الشباب
غنِّي لنا غنِّي
يا حُلْوُ يا مُسْـتَطاب
أنْشُودَةَ الجـِـنِّ
وأعصُر لِيَ الأعناب
وأمْـلأ بهــا دَنِّي
من عَبْقَريِّ الرباب
أوْ حَرمِي الفنِّي
.........................
صِـح في الرُّبـَى والوهاد
واسترقص البيدا
وأسكب على كل ناد
ما يسحر الغيدا
وفجِّر الأعواد
رجْـعَـاً وترديدا
حتى ترى في البلاد
من فرحةٍ عيدا
وأمسحْ على زرياب
وأطمِس على مَعْـبَد
وأمشي على الأحْقَاب
وطُفْ على المِرْبــَدْ
وأغْشَى كـنـارَ الغـَاب
في هدأةِ المَرْقـَد
وحَدِّثِ الأعْرابْ
عن رَوْعةِ المَشْهَد
........................
صَـوِِّّر على الأعصابْ
وأرسُمْ على حِسّي
جمالـَكَ الهَـيـّابْ
في روْعَـة الجَـرْسِ
وأسْـتَدْنِ بَـابـاً بـَابْ
وأقعُد على نَفْسِي
حتى يَـجـِفّ الشَراب
في حافـّةِ الكأس ِ
...............................


ولعل سيد خليفة إن كان لبفتخر ؛ فحق له أن يفتخر بترديده لما يمكن وصفها بأحلى وأجمل وأرق القصائد التي نظمت في حب الوطن والحنين إليه حين السفر أو الإغتراب عنه ، دون الحاجة إلى حشوها بالمزايدات التي تتميز بها القصائد الوطنية العربية عادة من فخر مبالغ فيه لا يمت إلى الواقع بصلة . وأشتهرت هذه القصيدة بمسمى (يا وطني) تارة و (بلد أحبابي) تارة أخرى .
جمعت القصيدة بين التراب والإنسان ومزجت الرقة بالعنفوان والبساطة والعمق بالرومانسية والحنين والصبر وأغلى الذكريات . ثم تأتـّىَ لها بعد كل هذا ؛ اللحن الدافيء ونبرات شجن حنونة يريئة عفوية صادقة الإنفعال من أجمل طبقات صوت سيد خليفة وسماته الشخصية .... وحيث تقول كلماتها:

يا وطني يا بلد أحبابي
في وجودي أريدك وغيابي (1)
.................................
يالخرطوم يا العندي جمالك
جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك
في أي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
.............................
بتذكر فيك عهد صبايا
على شاطي النيل
وحبيبي الساهر معايا
أسمر وجميل
كانت أيام يا وطني
زي الأحلام يا وطني
..............................
بتذكر فيك أيام فرحي
أجمل أيام
يا حليلك ويا حليل أيامك
على بالي دوام
وقلبي هائم في غرامك
ما بعده غرام
أنا بفخر بيك يا وطني
بالروح حابيك يا وطني

//////////////////


معاني كلمات:
(1) أريدك : يقصد بها هنا أحبك مع نكران ذات وتفاني وفناء في ذات المحبوب وحنان يشمل الروح ويعشعش في الضلوع ..... وإسم فعل أريدك هو (الرّيدة) بالياء المهملة – وهذه الكلمة تستخدم كثيرا في اللهجة السودانية في أدبيات العشاق خلال مناجاتهم وهمسهم لبعضهم البعض عند اللقاء الرومانسي أو الحميمي للتعبير عن نوع خاص عميق جدا من الشعور العاطفي يتجاوز درجات الحب العادية.



Add a Comment



Add a Comment

<<Home